لغة القرآن الكريم بقلم د. عزام عبد الحميد ابو زيد
لغة القرآن الكريم .
اللغة هي إشارات وحركات وعبارات تُعبر عن ثقافة القوم من عادات وتقاليد وعبادات ومُعاملات ومَكروهات ومُستحبات ، فهي الكيان المُعبر عن المكنون الداخلي للأفراد ، لذا عندما أرسل الله عزّ وجل الرسل إلى أقوامهم ، كان الكتاب الإلهي المُنزل على الرسول بلسان قومه أي بلغتهم ، حتى يكون تصحيح الأفكار والمعتقدات والأوضاع الخاطئة عند الناس بنفس لغتهم التي يفهمونها ، وبالتالي يعرف الناس مُراد الله ومُراد رسوله بسهولة ويُسر ؛ قال الله عز وجل في سورة إبراهيم : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ).
كانت الرسل السابقة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسلاً لأقوام مُعينين وفي زمان مُحدد ، أما رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهي رسالة عالمية تَعم الزمان والمكان من بَعثته حتى قيام الساعة ، قال الله تعالى في سورة الفرقان : ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ).
وقال الله تعالى في سورة سبأ : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ).
إذن اللغة العربية لغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لغة عالمية إختارها الله عزّ وجل لمخاطبة الناس أجمعين ، لذا وجب على أهل العربية ترجمة معاني القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لغير الناطقين بها حتى يفهموا مُراد الله عزّ من الخلق أجمعين ، وقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المُترجمين حتى يُبلغوا عنه دعوته.
اعتني المسلمون الأوائل بتَعلم اللغة العربية واتقانها ، روي البخاري في "التاريخ الكبير" ، والبيهقي في "شعب الإيمان" وغيرهم ، من طريق عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ ، قال : حَدَّثَنِي أَبُو مُسْلِمٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ- قَالَ : قَالَ عُمَرُ : " تَعَلَّمُوا الْعَرَبِيَّةَ ؛ فَإِنَّهَا تُثَبِّتُ الْعَقْلَ ، وَتَزِيدُ فِي الْمُرُوءَةِ ".
وذات يوم رأى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلان يَتَرَاطَنَانِ في الطوافِ أي يتكلمان بغير اللغة العربية ، فرفع العصا في وجههم من باب الإنكار والتحذير من فِعلهما ، وأمرهم بتعلم اللغة العربية ، روى الإمام عبد الرزاق في المصنف من حديث سيدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أنه رأى رجلين وهما يَتَرَاطَنَانِ في الطوافِ، فعلاهُمَا بالدِّرَّةِ وقال: «لا أمَّ لكُمَا، ابتغِيَا إلى العربيةِ سبيلًا».
ويجب أن نعلم العزةُ كلُّ العزةِ في اعتزازِنَا بلغتِنَا وهويتِنَا ، روى الإمام الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي من حديث عمرُ بنُ الخطابِ – رضي اللهُ عنه قال :” إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ ؛ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ ، فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ ” .
تعلم اللغة العربية يمنع الإنسان من الفهم الخاطئ ، ويجعله حاضر الذهن في فهم المراد من الآية القرآنية أو الحديث النبوي بمجرد السماع ، ذكر الإمام الفخر الرازي في تفسيره المُسمي مفاتيح الغيب من القرآن الكريم أن الأصمعيِّ قال: كنتُ أقرأُ سورةَ المائدةِ ومعي أعرابيٌّ، فقرأتُ هذه الآيةَ: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } . فقلتُ: " واللهُ غفورٌ رحيمٌ " سهوًا، فقال الأعرابيُّ: كلامُ مَن هذا؟ فقلتُ: كلامُ اللهِ، قال: أعدْ، فأعدتُ: " واللهُ غفورٌ رحيمٌ "، ثم تنبهتُ، فقلتُ: (واللهُ عزيزٌ حكيمٌ) فقال: الآن أصبْتَ، فقلتُ: أتحفظُ المائدةَ؟ قال: لا . فقلتُ: كيف عرفتَ؟ قال: يا هذا (عزيزٌ حكيمٌ) فأمرَ بالقطعِ، فلو غفرَ ورحمَ لما أمرَ بالقطعِ. انتهى. فقد فهمَ الأعرابيُّ الأميُّ أنّ مقتضى العزةِ والحكمةِ غيرُ مقتضى المغفرةِ والرحمةِ، وأنّ اللهَ تعالى يضع ُكلَّ اسمٍ موضعَهُ من المناسب لكل آية .
وروى الإمام البيهقي في شُعب الإيمان من حديث سفيان الثوري ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض ، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما لصاحبه : أنا فطرتها ، أنا بدأتها .
وذكر الحريري - عالم اللغة العربية- في كتابه درة الغواص في أوهام الخواص ، قال: مررتُ في طريقي فرأيتُ جنازةً تُشيَّعُ، وسمعتُ رجلاً يسألُ: مَنِ المُتَوَفِّي ، فقلت له: اللّهُ سبحانه وتعالى؛ فضُرِبتُ حتّى كِدْتُ أموتُ "
فكلمة المتوفِى بكسر الفاء اسم فاعل: وهو الله تعالى، وأمّا كلمة المتوفَي بفتح الفاء اسم مفعول : وهو الإنسانُ الّذي اِستوفَى اللّهُ عزّوجلَّ مدَّةَ حياتِه، فلم يَبْقَ له منها شيءٌ ؛ فحَلَّ أجلُه لانقضاءِ عُمْرِه.
الحريري كعالم لغة أجاب إجابة صحيحة لكن العموام من الناس لم يُفرقوا بين الكلمتين لكن هناك فرق شاسع في معنى الكلمة عند فتح حرف الفاء أو كسره.
اللهم ارزقنا عِلمَ لغتنا العربية على الوجه الذي يعصمنا من الخطأ .

تعليقات
إرسال تعليق