اطالة قصة قصيرة بقلم عبدالنبي عياد
قصة قصيرة
إطلالة
مازالت تذكره رغم المسافات البعيدة ما بين ضمة حنين وهمسة عتاب؛ تتلاشى بداخلهما كل الهفوات العابرة كسحابة شتاء، فتلك الذكريات لا تزال محفورة داخل جدران هذا المنزل القديم راسخة على تلك الحوائط الباهتة التى تلاشت ألوانها عبر الزمن كما تكمن بداخله تلك الأشياء المتراكمة فوق الأرفف وداخل أدراج تلك الغرف رغم مرور هذه الحقبة من الزمن، إلا أنها لازالت تفيض بالذكريات وكأن عقارب الساعة قد توقفت ما بين الستين والسبعين من العمر ولكن يبدوا أن العاصفة القادمة سوف تخبئ تلك الأشياء بين حناياها وتلملم خلفها ما تبقى من ذكريات ثم تبعثرها فى كل إتجاه فتتلاشى وعندها؛ تمتلئ الذاكرة باللاشيء كصحراء تصرخ بداخلها الرياح والعواصف فلابد أن تبحث عن المعبد القديم لتلملم بداخله ما تبقى من تلك الذكريات، معبد تستمر فيه عقارب الساعة فى الدوران.
ذات صباح لملمت أشيائها القديمة داخل حقيبتها وحملتها فوق رأسها ثم سارت وهى تنظر خلفها وكأنها تودع هذا البيت القديم لأنه يحمل الكثير من ذكرياتها بداخله. إنها لا تريد أن ترحل وتترك هذا العالم الخاص التى إحتضن سنوات عمرها البعيدة ولكن يبدوا أنها أصبحت لا تواكب ما آلت إليه هذه الحقبة من الزمن من تغييرات وتحديثات فى آليات هذا العصر لتواكب الأجيال الجديدة التى تحمل على عاتقها تحديات المستقبل؛ إلا أن آلة الزمن قد توقفت بذاكرتها عند حدود تلك التغيرات. فما أطول تلك الليالى التى لم تفتح فيها تلك النوافذ المغلقة منذ زمن بعيد فلملمت بداخلها تلك الكتل السوداء فحجبت شعاع الشمس الممتد إلى طريق المستقبل، لقد ذهبت تبحث عن عالم يشبه عالمها القديم, عن ذلك المعبد بين أحضان التلال البعيدة لعلها تستطيع العيش فى هدوء بعيدا عن الضوضاء التى تدّعى أنها تشوش على ذاكرتها الممتلئة.
الجميع يراقبها بصمت وتأمل وهى تجر قدميها النحيلتين فى هوادة وهى ترتدى ثيابها القديمة وكأن نظراتهم تحمل الكثير من التساؤلات:
- لماذا تحمل هذه العجوز أشيائها القديمة وكأنها لن تعود مرة أخرى؟
- ألم تدرك بأنها تترك الماضى الذى نبحث نحن عنه!
- يالها من عجوز قد عتى بها الدهر فتلاشت ذاكرتها فأصبحت فارغة!
تأملت وجوههم وكأنها أصبحت لا تعرفهم وهى تسير بخطوات بطيئة وكأن قدماها لم تعد تقوى على حملها، قلب يئن وجسد أنهكته سنوات العمر البعيدة.
الطريق وكأنه يمتد تحت قدميها وكأنه يجرها إلى مالا نهاية حتى أصبح يخلوا من المارة؛ لقد رحلت بعيدا مخلفة ورائها ذكريات الماضى داخل ذلك الحى القديم. وقع أقدامها على الطريق يوحى بأنها قد تهالكت فحراره الشمس الملتهبة تفقدها توازنها والسخونة المنبعثة من لهيب الأسفلت تكاد تعربد حذائها. العطش سوف يقتلها. والشجرة الصامدة على قارعه الطريق كأنها كانت تنتظرها لتحتويها بظلها لتخفف من حدة الظمأ الذى يصرخ داخل جوفها فإقتربت منها وهى تسير ببطئ وإذا برجل قد تجاوز من العمر عتيا يستظل تحتها فإذا بها تقف أمامه وكأنها تتأمله فى غرابة فيسألها:
- إلى أين أنتى ذاهبة أيتها العجوز؟
- قالت على إستحياء إننى أبحث عن عالم يشبه عالمى الذى فقدته.
- فنظر الرجل الى الأفق البعيد فى صمت ثم عاد بنظر اليها وهو يبتسم...

تعليقات
إرسال تعليق