مسارات امرأة بقلم احمد انعنيعة
مسارات امرأة
منذ طفولتي ، تربيت على أن أهم شيء للمرأة هو الاستقرار ، والزواج ، وإنجاب الأطفال ، والبقاء في خدمة الأسرة : لا تُعارضي . لا تُجادلي . لا تتذمري . وإذا حلمتِ ، فاحلمي في صمت ، لأن الحلم لا طائل منه .
تزوجتُ صغيرةً وأنجبتُ طفلين. كنتُ أماً ، وزوجةً ، وربة منزل . كنتُ أغسل ، وأكوي ، وأطبخ ، وأركض طوال اليوم . كان زوجي لا يعمل . يعود إلى المنزل مُرهقاً من مقهى السجائر ليأكل في صمت ، ثم يجلس أمام التلفاز . ليبدأ بانتقادي : أنت امرأة مملة ، لقد تركتني أنتظرك لفترة طويلة .
كان يُكرر دوما أن النساء مثلي لا ينبغي لهن أن تعشن الحياة ، بل يجب عليهن الانجاب فقط . وأنت ماذا فعلت ؟ وكنت التزم الصمت ، لأن "العائلة شيء مقدس" وأن "علي التحلي بالصبر". لأن أمي كانت تقول دائمًا : "اصبري، فأنتِ زوجة ، أنتِ أم".
انتظرت وقتا طويلا . انتظرت اليوم الذي يكبر فيه أبنائي ، ويصبحون مستقلين ، وحينها ربما تبدأ حياتي أخيرًا . انتظرت اليوم الذي سيرحل فيه عني دون ضجة ، ودون تفسير :إنه اليوم الذي سحزم فيه حقيبته ولن يعد أبدًا .
حقا وجدت نفسي وحيدة . لكنني ما شعرت به لم يكن ألمًا ، بل كان صمتًا حقيقيًا ، عميقًا ، وغريبًا . صمت ، سمعت فيه لأول مرة صوتي . أحسست في البداية ، أنني كنت تائهة ، لم أتعرف عن نفسي ، لم أستطع تذكر ما أحببت ، وما كنت أريد .
تجولت في بيتي كضيفة . تساءلتُ متى كانت آخر مرة ضحكتُ فيها من أعماق قلبي ، أو متى استيقظتُ دون أن أهرع إلى المطبخ لأُعدّ القهوة للجميع . إنه أول صباح ، استيقظت فيه ولم أُرتّب سريري .
نعم ، إنه أول يوم أعددت فيه فنجان قهوة ، لي وحدي ، وجلست في الشرفة . في ذلك اليوم فقط ، كانت أول مرة ، أحسست فيها أن ضوء الشمس يتسلل عبر الستائر .. حدّقتُ فيه بدهشة لأنه أصبح ملكي لوحدي دون غيري . آنذاك ، تغيّرت بداخلي أشياءٌ عديدة : تعلّمتُ كيف أستخدم هاتفي الذكي لشراء تذكرة قطار ، وسافرتُ وحدي لأول مرة في حياتي . سافرت بعيدا لأشاهد البحر في الشتاء - البحر الحقيقي ، لا ذلك الذي رأيته في الصور . كانت رائحته مالحة ، وأمواجه عالية . ومنذ ذلك الوقت ، فهمتُ معنى الحرية ، فخلعتُ حذائي ، وجلستُ على الرمال الرطبة ، وأنا أفكر :
وجدت نفسي أعيش حياة أخرى في الثانية والخمسين . حتى هذا السن ، لم أكن أتخيل قط أن الحياة تختلف تماما عن ما كنت أعيشه . الآن فقط فهمت أن سبب ذلك الروتين الممل هو أعمال المنزل ، والتسوق ، وغسل الملابس ، وإعداد الطعام ، وتحمل لحظات الصمت . وتساءلت :
"لماذا انتظرتُ كل هذا الوقت ؟"
ابتسمتُ قليلا وقلت : ربما لأنني كنت تائهة وأنا أحافظ على أسرتي .
ها أنذا اليوم ، قد وجدتُ نفسي . أعيش وحدي ، ليس لأن لا أحد يحبني ، بل لأنني ، ولأول مرة ، أصبحت أحب نفسي . لم تعد لديّ جداول زمنية ، بل خيارات فقط . لم أعد أقضي أيامي في المطبخ . وبدلًا من ذلك ، أقضي الساعات المتبقية من عمري في القطارات والمتاحف والمكتبات ، أستمتع بقراءة الروايات التي تركتها دون أن ألمسها لسنوات لأنني "لم يكن لدي الوقت لذلك " .
اليوم فقط ، بدأت أنظر إلى نفسي في المرآة : التجاعيد لا تزال موجودة . لكن نظرتي إلى تجاعيدي قد تغيرت : إنها نور جديد على وجهي لأنني بدأتُ أعيش .

تعليقات
إرسال تعليق