انفاس المداد بقلم د.حسن زياب الخطيب

 أنفَاسُ المِداد

​عَلى بَيَاضِ السُّطُورِ الغَافِيَاتِ هُنَا

رَسَمتُ صَوتِي، وَلَم أترُكْ بِهِ أثَرَا

أكتُبْ إلَيكِ.. وَعَينُ الشَّوقِ سَاهِرَةٌ

عَسَى حُرُوفِي تُقِيمُ الليلَ وَالسَّهَرَا

​يَا مَن تَمُرِّينَ فَوقَ السَّطرِ في عَجَلٍ

رِفقًا بِقَلبٍ دَعَا المَعنَى وَمَا قَدَرَا

أخشَى مَزِيجَ الهَوَى إن كُنتِ مُتعَبَةً

أن تَبصُرِي الوردَ في دِيوَانِيَ الإبَرَا

​تَجَنَّبِي الظَّنَّ إن نَادَيتِ عَابِثَةً

فَالمَزحُ في الحُبِّ كم أدمَى وَكَم كَسَرَا

فِي كُلِّ حَرفٍ صَدًى نَفسِي أصِيغُ لَهُ

مِن دَفءِ رُوحِي ثِيَابًا تَعشَقُ المَطَرَا

​أكتُبْ لَكِ الآنَ.. وَالأنفَاسُ حَائِرَةٌ

فَاقرَئِي بِنَفسِ الرِّضَا مَا صِيغَ وَابتَكِرَا

نَادِي كَلامِي بِقَلبٍ نَابِضٍ نَضِرٍ

تَلقَينَ حُبِّيَ في أورَاقِهِ شَجَرَا

خُذْنِي إلَيْكِ.. فَإنَّ الشَّوْقَ أَرَّقَنِي

وَمَا لِقَلْبِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ مُنْحَدَرَا

​أَنَا الَّذِي صَاغَ مِنْ أَشْجَانِهِ أَمَلًا

وَصَبَّ فِي قَالَبِ الأَوْرَاقِ مَا شَعَرَا

​فَلَا تَظُنِّي جَفَاءً فِي حُرُوفِ هَوًى

إذَا النَّصِيصُ بَدَا فِي لَفْظِهِ خَطَرَا

​نَفْسِي وَنَفْسُكِ مِرْآتَانِ.. لَوْ لَمَسَتْ

أَقَلَّ كِلْمَةِ مَزْحٍ، خِلْتُهَا حَجَرَا

​وَالْقَلْبُ يَعْرِفُ مَنْ هَامَتْ بِهِ شَغَفًا

حَتَّى لَوْ النَّصُّ طَيَّ الشَّاشَةِ اعْتَذَرَا

​فَاطْوِي كِتَابَ الظُّنُونِ السُّودِ، وَاسْتَمِعِي

لِنَبْضِ رُوحِيَ يَرْوِي سِرَّهُ الْعَطِرَا

​إنِّي كَتَبْتُ.. وَهَذَا اللِّيْلُ يَشْهَدُ لِي

أَنِّي جَعَلْتُكِ فِي صَدْرِ الْمِدَادِ تَرَى

مَا قُلْتُهُ الْيَوْمَ لَا زَيْفٌ وَلَا خِدَعٌ

بَلْ كَانَ نَبْضَ فُؤَادِي كُلَّمَا نَظَرَا

​إِلَى غَدِيرِ هَوَاكِ الْعَذْبِ يَغْرِفُهُ

وَيَنْثُرُ الْحُبَّ حَتَّى صَارَ مُنْتَشِرَا

​فَلَا تَشُكِّي بِحَرْفٍ صِيغَ مِنْ وَلَهٍ

أَوْ تَحْسَبِي الشَّوْقَ قَدْ أَضْحَى هَبَاءً ذَرَا

​فِي كُلِّ سَطْرٍ تَرَى رُوحِي تُنَادِي

أَنْتِ الْأَمَانُ الَّذِي بِي صَارَ مُسْتَطَرَا

​وَلَا تَكُونِي مِثْلَ السَّيْفِ يَقْطَعُ

بَلْ كُونِي كَالنَّسِيمِ لَوْ مَسَّ أَوْ هَجَرَا

​أَنَا الْمُقِيمُ عَلَى عَهْدِ الْوَفَاءِ فَلَا

تَظُنِّي الْبُعْدَ قَدْ يُنْسِي الْمَدَى أَوْ حَرَا

​فَهَذَا عَهْدِي وَقَدْ نَادَتْ بِهِ رُوحِي

أَنْتِ الْقَرِيبَةُ، مَهْمَا الْبُعْدُ قَدْ حَجَرَا

​فَاخْتِمْ رَسَائِلَ شَوْقِي يَا مِدَادُ وَكُنْ

بَرْدًا عَلَى قَلْبِهَا، لَا تَخْدِشِ الْبَصَرَا

​وَاقْرَأْ عَلَيْهَا سَلَامَ الرُّوحِ فِي شَغَفٍ

حَتَّى يَذُوبَ جَفَاءُ الْبُعْدِ وَالْقَدَرَا

​مَا كَانَ حَرْفِي سِوَى نَجْوَى لِقَافِيَةٍ

تَبْكِي الْفِرَاقَ وَتَرْجُو الْوَصْلَ وَالظَّفَرَا

​فَالْيَوْمَ أُودِعُ أَوْرَاقِي وَصِيَّتَهَا:

أَنْ تَحْفَظَ الْعَهْدَ مَحْفُورًا وَمُسْتَطَرَا

​هَذِي السُّطُورُ انْتَهَتْ لَكِنَّ صَاحِبَهَا

مَا زَالَ يَذْكُرُكِ.. طُولَ الْمَدَى، عُمُرَا

بقلمي الشريف د. حسن ذياب الخطيب الحسني الهاشمي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البيئة التي غرسنا فيها بقلم ادريس صالح

اللغة العربية بقلم ا. ايمن دراوشة