روائح شقوق الاحجار بقلك طواهري امحمد

 روائح شقوق الاحجار


في زحام المدينة ، حيث الأيام تتلاحق بسرعة، والذكريات تتلاشى في غياهب النسيان، قررت العودة إلى المكان الذي ولدت فيه، القرية الصغيرة التي تركت فيها جزءًا من روحي. كانت عودتي رحلة إلى الماضي، إلى الزمن الذي كان فيه كل شيء أبسط، وأكثر صحة.


عدت في زيارة إلى القرية الصغيرة، حيث لا توجد أزقة ضيقة، بل فضاء فسيح، وأشجار الوز و الزيتون التي ترقص في الريح. وتغريد الطيور تملأ الجو، وكل شيء كما هو، إلا أنا. نعم، أنا الذي تغير. دخلت البيت القديم، شممت رائحة الأرض والخشب، واستمعت إلى صوت الجدران الباردة الموحشة وهي تروي قصصاً عن الماضي. في تلك اللحظة، شعرت أنني لم أغادر المكان أبداً.


كانت الرطوبة عالقة في الهواء، ممزوجة برائحة غريبة، آسرة، لا توجد إلا في روائح شقوق الجدران البالية، وفي رائحة سقف الخشب القديم، وذاك اللون الباهت، والغبار الذي يحكي قصصاً لم تُروَ بعد. لم يكن مجرد زيارة، بل كان مخبأً للكنوز، ومخبأً للذكريات، ومتاهة من العوالم والأيام المنسية.


وأنا أتجول بين الأماكن، شعرت وكأنني أخطو إلى زمن آخر. ما بين أرواح الأماكن وأرواحنا، مثقلة بمشاعر لا تجد لها وصفاً ولا تعبيراً، لا تستطيع حملها أوراق الكتب. الجدران البارزة المتشققة، الآثار المكتوبة بخط اليد، الرسومات الباهتة، كل شيء كان يصرخ باللغة مشاعر تاريخه .


بدأت ألمس الحجارة برفق، وكأنني أخشى أن أوقظ روح نائماً. كلما توقفت أمام باب من الخشب القديم ليس فيه أقفال، فتحته بهدوء و بحذر، الا وجدت بداخله رسالة حب قديمة، مرسومة باحساس خط أنيق. شعرت بوخزة في قلبي، لم أتمكن من فهم أي شيء. شعرت وكأنني أمسكت بلغز قديم، ينتظر من يحلّه.


أذهب مرة من كل عام في الربيع هناك بحثاً عن شيء ما، شيء لا يمكنني وصفه، لكنني أشعر به في كل مرة أخطو فيها إلى تلك القرية. أتجول ما بين الزوايا والاركان، وأشم رائحة الأرض والخشب، وأستمع إلى صوت الجدران الباردة البالية وهي تروي قصصاً عن الماضي. أسير بين سفوح الجبال و الحقول والوديان ، وأنا ألمس الأشجار برفق، وكأنني أخشى أن أوقظ شيئاً نائماً قد كنت أعرفه ذات أمس .


كلما توقفت أمام شجرة عرعار قديمة، أجد نفسي غارقاً في الذكريات. في ذلك الصمت، أجد شخصي القديم. كان لي شخص هناك يحمل قصته الخاصة، وكل قصة تحمل معها رائحة الماضي. نتبادل النظرات الخاطفة، نبتسم حين تصطدم أكتافي بجواري، ثم نمضي مع نفسي، وكل منا يعرف أن الآخر هنا لنفس السبب: الحنين إلى الماضي.


عندما حان وقت المغادرة، شعرت وكأنني تركت جزءًا مني في ذلك المكان الساحر. لم أحمل أي شيء مادي، لكنني عدت محملًا بالقصص، والذكريات، والإلهام. أدركت أن البيوت والديار القديمة تملك أرواحاً مثلنا، ليست مجرد حجارة وطين وخشب، بل هي نوافذ تطل على عوالم أخرى، وأبواب تفتح على الماضي، ومفاتيح تفتح العقول.


رحلة نحو القرية القديمة ليست مجرد زيارة، بل هي تجربة روحية، تذكرنا بأهمية المرء العودة إلى أصله، وأهمية المعرفة، وإعادة تدوير تلك الأحداث من حياته، والقصص التي تربطنا ببعضنا البعض عبر الزمان والمكان.


فوجدت نفسي مثل قشة تتلاعب بها الرياح بين صفحات الماضي، وأوراق الحاضر. وهذا الحسن من الربيع كان بوابة إلى عوالم جديدة، ونوافذ إلى قلوب لم أكن أراها. شعرت بالجوع إلى المعرفة، والشغف إلى الحياة. أدركت أن البيوت القديمة ليست مجرد حجارة بالية، بل هي حياة، وروح، وذكريات.


عدت إلى المدينة، وأنا أخفي في قلبي صورة القرية، وأشجارها، وناسها. أدركت أن القرية ليست مجرد مكان، بل هي جزء من روحي، وجزء من حياتي. سأحمل معي هذه الذكريات، وأعيشها في قلبي، وأرويها لأوراقي واقلامي، وأحفادي.


بقلم طواهري امحمد.

تعليقات