المهاجرة بقلم هدي شوكت
المهاجرة
نصف قلب في الغربة –
لم تكن ليلى ترى السفر طريقًا مفتوحًا، بل كانت تدركه كشرخٍ خفيّ في جدار الروح، يتسلّل منه صمتٌ ثقيل لا يسمعه أحد. كانت تخرج إلى العالم بوجهٍ معلمةٍ وبقلبِ زوجةٍ لم يشتد عودها بعد، تحمل أحلامًا غضّة كأوراقٍ لم تلامسها الرياح. وحين طرق القدر باب الرحيل، لم تسافر بقدميها فقط؛ بل حملت معها قلبًا يسير بين الخوف والرجاء، وقبضت على يد زوجها عليّ كأنما تتشبّث بما تبقّى من يقين.
في المدن البعيدة، حيث الاسمنت يعلو على السماء، ولدت سما. وكان مجيئها أشبه بجرسٍ صغير يذكّر ليلى بأن الوطن ليس مكانًا، بل نبضة تهتزّ عند أول بكاء.
وحين عادت بعد عامين إلى مصر، بدت كمن تستعيد ظلّها الضائع. ارتمت في حضن أمها، غير أن الفرح لم يكتمل؛ إذ حملت في أحشائها توأمًا لم ينتظره قلبها. شعرت كأن الحياة تُعدّ لها امتحانًا صامتًا: ولادة تبحث عن وطنٍ لا تُولد فيه. كانت ترى نفسها في غرفةٍ بيضاء، غريبة عنها، بلا دفء أم ولا همس أخت.
قالت أمها:
ــ "اتركي الصغيرة معي."
لكن ليلى أدركت أن الأمومة ليست قرارًا منطقيًا، بل خيطٌ يلتفّ حول الروح، لذلك قالت بصوتٍ ينكسر:
ــ "وكيف يمضي القلب من دون روحه؟"
عادت إلى الغربة تحمل مخاوفها، لكن القدر لم يمهلها؛ وضعت توأمها قبل أوانهم. كانت ضعيفة، وكانت هي أضعف. فعاد بها عليّ إلى مصر، إلى الهواء الذي تعرفه والوجوه التي تحفظها. هناك فقط شعرت بأن نصفها التائه عاد إليها.
لكن الأقدار لا تحفظ الأشياء كما نريد؛ تركت صغيريها في حضن أمها، ورحلت مرة أخرى. ومنذ تلك اللحظة صار قلبها قارّة واسعة: نصفٌ يُقيم هناك حيث العمل، ونصفٌ يسكن هنا حيث الأم، حيث صوت الإخوة، وحيث ذكريات البيت القديم.
كانت ليالي الغربة طويلة، تشبه صحراء بلا ظل، لا يقطعها إلا صوت عليّ وهو يقرّب إليها أصوات أبنائها عبر الهاتف، يخبّئ فزعها بكلماتٍ مطمئنة، ويُسند دموعها حتى الفجر. وكانت الإجازة السنوية هي الشهيق الوحيد الذي يبقيها حيّة.
لم تكن ليلى مهاجرة؛ كانت روحًا ممزّقة بين وطنين، تتقدّم بجسدها في طرقٍ لا تشتهيها، بينما يظل قلبها معلّقًا عند عتبة بيتٍ يعرف دقاتها ويحفظ خطواتها.
لقد أدركت أن الغربة ليست سفرًا، بل درسٌ وجوديّ تقول فيه الحياة:
إن المسافات لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالغياب…
وإن القلوب لا تهاجر، مهما هاجر أصحابها.
النص الثاني
---غريبٌ في مرآتي
بقلم: هدى أحمد شوكت
---
غريبٌ أنا... بينَ وجهي ومرآتي،
أمدُّ يدي فلا أجدُ ذاتي،
تبتسمُ لي ملامحٌ تشبهني،
لكنّها تسكنُ الغيابَ بثباتِ.
كانتْ هناك، على ضوءِ الصباح،
امرأةٌ تزرعُ في عينيَّ الرياح،
تسقيني وعدًا، وتخفي الدموع،
وتتركُ في صدري رمادَ الجراح.
مرّ الربيعُ، وأزهرَ الشوقُ،
لكنَّ الحنينَ ظلَّ موقوفًا على الطرقات،
ينتظرُ وجهًا، ضاعَ في الزحام،
وصوتًا يعودُ من عُمقِ الذكريات.
غريبٌ أنا... في بيتي، وفي حلمي،
وفي عيونِ من أحببتُ، وفي اسمي،
أبحثُ عن نفسي في نظرتها،
فلا أجدُ سوى غريبٍ يشبهني.
يا زهرةً نامتْ على نافذةِ الغياب،
هل تسمعينَ أنينَ قلبي حينَ يذوب؟
ما زالَ عطركِ يملأُ المدى،
لكنَّ الطريقَ إليكِ صارَ غروب.
سأكتبُ عنكِ، ما دامَ فيّ نبضٌ،
وسأجمعُ من ذكراكِ ألفَ نجمٍ، وألفَ حلمٍ،
فالفراقُ وإن كانَ قدرَنا،
إلا أنّ الحبَّ فينا... لا يُهزمُ ولا يُتمم.
غريبٌ في مرآتي... لكنّي حيٌّ بكِ،
أنظرُ فأراكِ في صمتِ المرايا،
تبتسمينَ، وتغيبينَ كطيفٍ جميل،
وتتركينَ في قلبي... قصيدةً بلا نهاية.
بقلمي " هدى أحمد شوكت
مصر

تعليقات
إرسال تعليق