مقتلع قصة قصيرة بقلم مبارك اسماعيل


 قصة قصيرة

بقلم: مبارك إسماعيل ودحمد

مقتلع

لم يكن الأمس يومًا واحدًا.

كان كتلة زمنية متورّمة، تتدحرج فوق صدره كلما حاول أن ينام.

في الخرطوم، بعد الحرب، فقدت الأيام حدودها.

لا شيء يُغلق بالكامل، ولا شيء يبدأ حقًا.

تعوّد أن يقول: الأمس،

كأنه شخص يمكن الإشارة إليه، أو لومه، أو تركه عند الباب.

ما تحت السرير

وضع الأشياء هناك منذ بدأت المدينة تفقد ذاكرتها.

تحت السرير:

دفتر بلا غلاف،

ساعة متوقفة،

وقميص لم يعد صاحبه ليطالب به.

لم يكن يخفيها خوفًا من اللصوص،

بل من الانهيار المفاجئ الذي قد يحدث لو نظر إليها دفعة واحدة.

في هذا البلد،

نحن لا نرمي الأشياء المؤلمة،

نؤجل النظر إليها.

الخروج إلى الشارع

كان يخرج للمشي لأن الغرفة تضيق.

الجدران تحفظ الأصوات،

والأصوات هنا لا تنسى.

يمشي بمحاذاة النيل.

لا ينظر إليه طويلًا.

النيل لا يعنيه كرمز،

بل كشيء واحد ما زال يمضي دون أن يتوقف ليسأل.

يرى الناس كأنهم في بروفة طويلة لحياة مؤجلة.

الأشباح خرجت في النهار.

صاروا يمشون بلا خوف،

لأن الخوف نفسه تعب.

البلد الذي يُهزم بالتقسيط

لم يسقط الوطن دفعة واحدة.

سقط مثل راتب يُخصم منه القليل كل شهر.

قالوا: أيام،

ثم: شهور،

ثم سكتوا.

الصمت هنا ليس حكمة،

الصمت وثيقة استسلام غير موقّعة.

الأحلام غير المكتملة

في الليل، لا تأتيه أحلام واضحة.

يأتيه شعور بالسقوط فقط.

يرى نفسه في طوابير لا تنتهي:

خبز،

جواز،

دفن.

أقارب وأصدقاء يتوارد نعيهم، حتى بات يخشى أن يفتح الفيسبوك خوفًا من أن يفاجأ بنعيه.

يستيقظ وهو يتحسس جسده،

كأنه يتأكد أن وجوده لم يُلغَ أثناء النوم.

فجر بلا بطولة

الفجر لا يدخل المدينة منتصرًا.

يدخل بحذر،

كموظف يعرف أن الدوام لن يغيّر شيئًا،

لكنه يأتي احترامًا للعادة.

يقف عند النافذة.

لا يدعو كثيرًا،

ولا يلعن.

يقول: الحمد لله.

ليس إيمانًا كاملاً،

بل اتفاق هدنة مع الحياة.

العودة إلى الكلمات

لم يقرر أن يكتب.

الكتابة عادت إليه من تلقاء نفسها،

كغريزة دفاع.

في بلد يمكن أن تُمحى فيه بلا أثر،

تصير الكلمة علامة حياة.

لم يكتب ليغيّر العالم،

كتب ليمنع نفسه من الاختفاء داخله.

المقاتل الذي بلا سلاح

لم يحمل بندقية،

لكنه يعرف المعركة.

المعركة أن تنهض،

أن تخرج،

أن تقول: أنا هنا.

قال لليوم الجديد بصوت منخفض:

لن أربح،

لكنني لن أكون رقمًا.

ما يبقى مخبأً

ما زالت الأشياء تحت السرير.

لن يخرجها الآن.

بعض الأوجاع تحتاج أن تبقى في الظل،

لا خوفًا منها،

بل احترامًا لثقلها.

يعرف أن الأمس سيعود،

ويعرف أن الحرب قد تطول،

ويعرف أن الوطن فكرة متعبة.

لكنّه يعرف أيضًا:

أنه ما زال قادرًا على القول.

والقول…

في هذا الزمن،

فعل نجاة.

م . أ . ح

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللغة العربية بقلم ا. ايمن دراوشة

البيئة التي غرسنا فيها بقلم ادريس صالح