امراة لٱ تشبه النساء بقلم ماجد باسمين عبيد

 امرأةٌ لا تُشبهُ النساء

طَرَقْتُ البَابَ، وَانْتَظَرْتُ طَوِيلًا، وَكَانَ فِي انْتِظَارِي شَيْءٌ لَا أَفْهَمُهُ؛ كَأَنَّ قَلْبِي كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ خَلْفَ هَذَا البَابِ حِكَايَةً لَنْ تُشْبِهَ سَائِرَ الحِكَايَاتِ.

وَبَعْدَ انْتِظَارٍ، فُتِحَ البَابُ، فَخَرَجَتْ امْرَأَةٌ لَمْ أَرَ فِي حَيَاتِي أَجْمَلَ مِنْهَا. تَوَقَّفَتِ الكَلِمَاتُ عَلَى شَفَتَيَّ، وَاضْطَرَبَ قَلْبِي؛ لَا خَوْفًا مِنْهَا، بَلْ خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ أَنْ تَمَسَّهَا قَسْوَةُ الأَيَّامِ.

نَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهَا، فَرَأَيْتُ فِيهِ طُمَأْنِينَةً لَا تُشْتَرَى، وَفِي عَيْنَيْهَا وَطَنًا كُلَّمَا أَتْعَبَتْنِي الحَيَاةُ عُدْتُ إِلَيْهِ.

كَانَ كَلَامُهَا عَسَلًا، بَلْ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَكَانَتِ ابْتِسَامَتُهَا عِطْرًا يَنْفُذُ إِلَى القَلْبِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ رَائِحَتُهُ إِلَى الأَنْفِ.

دَخَلَتِ المَنْزِلَ، وَخَلْفَهَا كَانَتْ خُطُوَاتُهَا تَقْرَعُ الأَرْضَ، فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهَا تَقْرَعُ أَبْوَابَ قَلْبِي، وَتُوقِظُ فِيهِ أَجْمَلَ الذِّكْرَيَاتِ.

جَلَسْتُ إِلَيْهَا، وَأَطَلْتُ النَّظَرَ فِي مَلَامِحِهَا، فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنِّي أَرَى جَمَالَ نِسَاءِ العَالَمِينَ قَدِ اجْتَمَعَ فِي وَجْهِهَا، وَأَنَّ كُلَّ مَا قِيلَ عَنِ الحَنَانِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا ظِلًّا لِمَا يَسْكُنُ فِي قَلْبِهَا.

أَتَدْرُونَ مَنْ هِيَ؟

هِيَ الَّتِي إِذَا ضَاقَ صَدْرِي وَسِعَتْنِي بِدُعَائِهَا، وَإِذَا انْكَسَرَ خَاطِرِي جَمَعَتْ شَظَايَاهُ بِكَلِمَةٍ، وَإِذَا أَخْطَأْتُ سَبَقَ عَفْوُهَا اعْتِذَارِي، وَإِذَا أَتْعَبَتْنِي الطُّرُقُ كَانَ حُضْنُهَا آخِرَ مَرَافِئِي.

هِيَ السَّمَاحَةُ حِينَ تَقْسُو الحَيَاةُ، وَالرِّضَا حِينَ تَتَكَاثَرُ الهُمُومُ، وَالدُّعَاءُ الَّذِي يَسْبِقُنِي إِلَى السَّمَاءِ قَبْلَ أَنْ أَرْفَعَ يَدَيَّ.

أَتَدْرُونَ مَنْ هِيَ؟

هِيَ لَيْسَتْ عَابِرَةً فِي حِكَايَةِ عُمْرِي، وَلَا اسْمًا يُكْتَبُ ثُمَّ يُنْسَى...

هِيَ أَوَّلُ حُبٍّ سَكَنَ قَلْبِي، وَأَصْدَقُ حُبٍّ لَنْ يَجِدَ قَلْبِي لَهُ بَدِيلًا.

هِيَ مَنْ أَرَى الدُّنْيَا جَمِيلَةً لِأَنَّهَا فِيهَا...

أَتَدْرُونَ مَنْ هِيَ؟

هِيَ أُمِّي.

بقلم ماجد ياسين عبيد/ سورية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البيئة التي غرسنا فيها بقلم ادريس صالح

اللغة العربية بقلم ا. ايمن دراوشة

علي يدك بقلم احمد حمدي شمعه