روائح شقوق الاحجار بقلك طواهري امحمد
روائح شقوق الاحجار في زحام المدينة ، حيث الأيام تتلاحق بسرعة، والذكريات تتلاشى في غياهب النسيان، قررت العودة إلى المكان الذي ولدت فيه، القرية الصغيرة التي تركت فيها جزءًا من روحي. كانت عودتي رحلة إلى الماضي، إلى الزمن الذي كان فيه كل شيء أبسط، وأكثر صحة. عدت في زيارة إلى القرية الصغيرة، حيث لا توجد أزقة ضيقة، بل فضاء فسيح، وأشجار الوز و الزيتون التي ترقص في الريح. وتغريد الطيور تملأ الجو، وكل شيء كما هو، إلا أنا. نعم، أنا الذي تغير. دخلت البيت القديم، شممت رائحة الأرض والخشب، واستمعت إلى صوت الجدران الباردة الموحشة وهي تروي قصصاً عن الماضي. في تلك اللحظة، شعرت أنني لم أغادر المكان أبداً. كانت الرطوبة عالقة في الهواء، ممزوجة برائحة غريبة، آسرة، لا توجد إلا في روائح شقوق الجدران البالية، وفي رائحة سقف الخشب القديم، وذاك اللون الباهت، والغبار الذي يحكي قصصاً لم تُروَ بعد. لم يكن مجرد زيارة، بل كان مخبأً للكنوز، ومخبأً للذكريات، ومتاهة من العوالم والأيام المنسية. وأنا أتجول بين الأماكن، شعرت وكأنني أخطو إلى زمن آخر. ما بين أرواح الأماكن وأرواحنا، مثقلة بمشاعر لا تجد لها وصفاً ولا تعبي...